أفكار الثورة الفرنسية نعم…أفعالها لا

أفكار الثورة الفرنسية نعم…أفعالها لا

بقلم د. إيمان بيبرس- الخبيرة الدولية في قضايا النوع والتنمية

 

الفرق كبير بين ثورة فرنسا عام 1788 وثورة يوم الغضب 25 يناير فالأولي استمرت عشرة سنوات يناضل ثوارها من أجل تحقيق مطالبها الثلاث المساواة والحرية والعدل، والتي كانت من أهم أسباب اندلاعها هو انتشار الظلم وسيطرة طبقة النبلاء على مقاليد الحكم، وفي عام 1789 قام الثوار بتحطيم سجن الباستيل الذي كان رمز للسلطة الحاكمة وقتها ولم يخرج منه السياسيين فقط ولكن جميع المساجين وسميت بثورة الجياع والرعاع وعندما سيطروا على الحكم أقاموا المحاكم الشعبية لإعدام الطبقة الراقية وكان على رأسهم الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، وانتشرت هذه المحاكم والإعدام بعد ذلك لمن يخالف الثورة حتى أنهم أعدموا أحد قيادات الثورة وهو ماكسمليان روبسبير الذي كان يرأس لجنة الإنقاذ العام للثورة فيما بعد لإختلافه معهم.

 

أما ثورة الغضب يوم 25 يناير هي كانت ثورة شباب مثقف واعى متعلم يمتلك مهارة التعامل مع التكنولوجيا الحديثة منفتح على ثقافات العالم، ومطالبه هي القضاء على الفساد والعيش بحرية وكرامة وتحسين أوضاع مصر الاقتصادية، شباب محب مخلص لوطنه وعلى أتم استعداد للقيام بأى شئ من أجله، فهؤلاء الشباب  قرروا ألا ينتظروا أحد ليختار خطواتهم القادمة ويحددها بل قرروا رسم ملامح مستقبلهم بأنفسهم، وهي أجندة مصرية محلية وطنية ونحن فخورين بهم وبثورتهم.

 

ولكن أخشى أن يتبدد حلمهم من خلال تضييع الوقت في تصفية حسابات مع الذين كانوا في السلطة أو مع الموجودين حتى الأن، فكما نستوعب واقعنا ونرى مستقبلنا يجب أن نقرأ التاريخ جيداً لأنه المرجع الذي لا يخطئ أبداً، فالكثيرون تنبئوا بقيام ثورات في مختلف الدول العربية على أنظمتهم الفاسدة ولكن لم نعرف متى وأين وكيف؟ ولكنها حدثت بالفعل، كما أن القارئ الجيد للتاريخ يعرف أن تاريخ الثورات في العالم يقول أن أى ثورة تبدأ عظيمة في مبادئها ومطالبها ثم تمر بمرحلة تصفية حسابات مع من كانوا قائمين في السلطة بهدف القضاء على الظلم، ليتحول القائمين عليها بعد ذلك إلى دكتاتوريين وتتملكهم نزعة الإنتقام لكل من يخالفهم في الرأى.

 

وأنا لا أنادي بعدم محاسبة الفاسد بل يجب التحقيق مع كل فرد استغل منصبه فمن الممكن القيام بمصادرة أمواله أواسترجاع المصانع والأراضى التي تم أخذها دون وجه حق، ولكن مع مراعاة المصريين الذين لديهم ممتلكات ومشاريع خاصة بهم وقاموا بشرائها بالفعل، فثورة فرنسا بدأت بفكر المثقفين الفرنسيين وقام بتنفيذها طبقة أخرى فكانت هنا الكارثة وتحول عقاب كل من لم يؤمن بالثورة أو يتحمس لها الإعدام وتحولت هذه الأفكار من المساواة والعدل والحرية إلى الدكتاتورية وغوغاء في التصرفات.

 

ولذلك فلا نريد لثورة شبابنا الغاضبة يوم 25 يناير والتي ضحوا من أجلها واستشهدوا أن تكرر التاريخ في عمل تصفية حسابات مع أشخاص بهدف الإنتقام منهم، فالذي ميز ثورة 23 يوليو أنها قامت بلا إراقة للدماء، حيث تم مصادرة أموال الملك وأسرته وغادر بلا رجعة.

 

فنحن نريد لهذه الثورة الغالية أن تحقق أهدافها، وأن تحاسب الفاسد ولكن بالرجوع إلى العقل والقانون والإحتفاظ بحقوق مصريين شرفاء عاشوا في ظل هذا النظام، فلن يفيد مصادرة شركات أو أراضي تم بناء مشاريع عليها ولكن يمكن إلزام المالك بدفع ثمن الأرض كاملة حتى لا تتحول أهداف الثورة لمبادئ على الورق فقط وهي المساواة والعدل والحرية، فالمستفيد من وجود هذه المشاريع في مصر هو الشعب المصري بأكمله، وفي حالة القيام بأى تهور دون الرجوع إلى القانون سيؤثر بالسلب على الطبقة المتوسطة بالتأكيد.

 

وفي النهاية فإنني أثق في شبابنا الواعي المثقف الذي أظهر حبه وولائه والذي طالما اتهمناه بالسلبية واللامبالاة، فهو شباب لن يتواني لحظة في أن يقوم بما فيه مصلحة بلده دون الرجوع للخلف والتمسك بالإنتقام وتصفية حسابات مع شخصيات لن تكون موجودة في مستقبل مصر بل في تاريخها الأسود.

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s