المصائب تجعلنا أقوى في مواجهة الصعاب

المصائب تجعلنا أقوى في مواجهة الصعاب

بقلم د. إيمان بيبرس- الخبيرة الدولية في قضايا النوع والتنمية

مع بداية عام جديد وفي الوقت الذي احتفلت فيه جميع دول العالم ببداية عام جديد لبست مصر ثوب السواد وأعلنت كافة فئات الشعب المصري على مختلف طوائفهم ومعتقداتهم وأماكنهم وثقافتهم الحداد على شهداء الأسكندرية، وعلى الرغم من المشاهد الأليمة التي شاهدناها جميعاً سواء كانت عبر القنوات التليفزيونية والفضائية المختلفة أو على مواقع الإنترنت أو على صفحات الصحف إلا أنني أشعر بفخر بأبناء بلدي فالمصائب والشدائد أياً كانت لا تنجح في تفرقة أبناء هذا الوطن.

 

فما أن مرت ساعات قليلة على هذا الحادث الأليم إلا ووجدنا المسلمين بمختلف ثقافتهم ومرجعياتهم الفكرية يسرعون في الإتصال بأخوانهم المسيحيين ليطمئنوا عليهم ويشاركونهم أحزانهم، كما أعرب العديد منهم أنهم على إستعداد كامل في أن يحموا أخوانهم المسيحيين وكنائسهم بأجسادهم وأرواحهم ويحضرون معهم صلوات أعيادهم القادمة في الكنائس ولسان حالهم يقول إذا كانت هناك مصاب سوف يوجه لأبناء بلدنا سنكون معهم فيه ونموت سوياً، وهذا ليس كلام ولكنها أفعال حدثت فعلاً بعد هذا الحادث الأليم وسوف تحدث، وهذا إن دل على شئ فإنه يدل على مدى ترابط هذا الشعب ووقوفه صفاً واحداً ضد أى قوة خارجية فما حدث كان موجه لمصر وليس لشخص معين أو دين معين.

 

وفي الحقيقة هذه المشاعر جعلتني أفكر في عمل حملة ليتضامن فيها كافة فئات هذا الشعب تحت عنوان “حملة العشرة مليون توقيع” حيث سيتم تجميع  توقيع 10 مليون شخص من الرافضين العمل الإرهابي الذي حدث، فالهدف من هذه الحملة أن نحمي أنفسنا وبلدنا من أن يحدث بها ما حدث في العراق ولبنان، من تفرقة بين أبناء الشعب الواحد فنحن لن نسمح لأحد أياً كانت القوى التي يتستر خلفها بأن يكون سبباً في تمزيق هذا البلد.

 

فالمسئول عن الحادث بأي حال من الأحوال إنسان غريب عن هذا الوطن ليس من نسيجها وليس من أهلها فهو عدو لكل أبناء هذا الوطن، وبالطبع هو لا ينتمي لأي ديانة فهو ليس مسلم وليس مسيحي بل هو إرهابي والإرهاب ليس له دين أو وطن، حتى وإذا كان يحمل في بطاقته الجنسية المصرية فهو ليس مصري.

 

والمتابع لكافة الآراء والأقلام التي تحلل الموقف في محاولة لمعرفة من الجاني سيلاحظ أنه لا يوجد أحد يختلف على أنه ليس مصرياً وأن المدبر لهذا الحادث جهة خارجية حيث اتجهت أصابع الإتهام إلى جهتين الأولى هي تنظيم القاعدة خاصة وأنها سبق وأرسلت برسائل تهديد للكنيسة المصرية في نوفمبر الماضي مالم تفرج الكنيسة عن الأسيرات المحتجزات داخل الكنائس على حسب قولهم.

 

والجهة الثانية التي تتجه لها أصابع الإتهام بقوة هو الموساد الإسرائيلي خاصة بعد إلقاء القبض على الجاسوس الإسرائيلي والذي كشف النقاب عن مخططات إسرائيلية أكبر بكثير مما كنا نتوقع كما فضح العديد من الأحداث التي حدثت بمصر وكانت مدبرة من الموساد الإسرائيلي ، ولعل من أهم ما أعترف به هذا الجاسوس هو أن إسرائيل تستهدف زرع الفتنة الطائفية في مصر ونجحت في ذلك على حد قوله.

 

وأياً كان المنفذ أو المحرض فهو كما سبق وذكرت أن الأيد الأثمة التي قامت بهذا الفعل الإجرامي ليست مصرية فهى أيد غير آدمية وليس لها دين أو وطن، وتستهدف زعزعة أمن وإستقرار هذا البلد، وهذا ما ستكشفه جهات التحقيقات في الأيام القادمة ولكن ما يهمنا الأن هو روح المحبة والأخاء التي ظهرت في أكثر الأوقات العصيبة بين أبناء هذا الوطن.

 

فبعد مشاحنات طائفية كثيرة حدثت لأبناء هذا الوطن في عام 2010 جاءت الفرصة مع بداية عام 2011 لتجمع صفوف الوحدة الوطنية مره أخرى، فدماء الشهداء المسلمين والمسيحيين التي إرتوت بها أرض محافظة الإسكندرية تستطيع أن تمحو كل غضب وخلافات سواء كانت بسيطة أو كبيرة بين أبناء هذا الوطن وستقوم بتجميعهم تحت شعار واحد “كلنا مصريين وأبناء هذا الوطن ولن يفرقنا أحد”.

 

ولعل الفرصة أصبحت سانحة الأن لخروج الأصوات العاقلة المتعقلة التي ينبغي أن تصحح لكثير من الشباب العديد من الأفكار المغلوطة والمشوهة، فالتكنولوجيا الحديثة وشبكة الإنترنت يتم إستغلالهم من قبل أشخاص غير معلومين في شحن الشباب ضد بعضهم البعض وإثارة الفتنة فيما بينهم فتجد الجميع يسب ويشتم وهم لا يعلمون أن هذا ضد مبادئ جميع الأديان السماوية.

 

فلابد من أن يتم عمل حملة توعية لهؤلاء الشباب ولا نتركهم ينساقون وراء الأراء المحرضة، خاصة وأنه في الفترة الماضية وخاصة مع الظروف الإقتصادية السيئة التي يعاني منها الشباب لاحظنا عدم إعلاء قيمة الوطنية ولهذا فأنا أطالب بضرورة تدريس مواد التربية الوطنية في المدارس والجامعات كمواد أساسية يعطى لها الإهتمام حتى يعي الجيل الجديد أهمية وطنه، كما أطالب بوجود مادة تسمى مادة الأديان والإيمان وهي مادة يكون هدفها الأساسي أن يتجمع فيها الطلاب جميعاً ويدرسون أهمية إحترام الغير والمبادئ الأساسية الموجودة في كافة الأديان السماوية.

 

وعلى جانب أخر يجب أن يتم عمل رصد إعلامي في مختلف القنوات الفضائية والصحف التي تتناول العلاقة بين المسلمين والمسيحيين والتي تقوم بالعمل على زيادة الفتنة الطائفية وتصعيد حدة التوتر بين أبناء هذا البلد، وكذلك البرامج التي  تلتزم بعرض الجوانب الإيجابية بعيداً عن التصعيد وإثارة الرأي العام ولا نكتفي بعمل هذا الرصد مع وسائل الإعلام فقط  بل نقوم بحصر الشركات التي تروج لمقاطعة الشركات التي يعتنق أصحابها ديانة معينة أو الشركات والهيئات التي ترفض تعيين شخص بسبب ديانته فكل هذه الممارسات الخاطئة من شأنها أن تمزق جسد هذا الوطن وتحوله إلى عراق أخر ولبنان أخر ولهذا لابد أن نرصد هذه الممارسات حتى نتمكن من التصدي لها والوقوف ضد كل من يعمل على إثارة الفتن داخل هذا الوطن.

 

ومن يريد أن يشعل الفتن داخل هذا الوطن فليرحل عنه لأنه ليس من أهل هذا الوطن وليس من نسيجها ولابد أن يعلم الجميع أن من يقوم بالأعمال التخريبية داخل هذا الوطن هو إرهابي في المقام الأول والأخير ولا يوجه ضربته لمسيحيين دون مسلمين أو العكس فهو يوجه ضربته لمصر كلها فالأرهاب لا دين له، والحقيقة أنا أعتبره “خائن” و”عميل”.

 

وإذا اخترت كلمة لأختم بها مقالي ستكون كلمة شكر لكل أبناء هذا الوطن الذين وقفوا ضد أعدائهم والقوى الخارجية التي تحاربهم وتعمل على تمزيق روابطهم وتحدو جميع المؤامرات التي ترغب في النيل من هذا البلد، فهذا المشهد لا يمكن أن تراه في أي بلد من بلدان العالم سوى في مصر، فلن تجد بلد يحدث فيها كارثة ويكون نتيجة هذه الكارثة محبة أكثر وتأخي أكبر بين أبناء هذه البلد، كما أناشد أبناء هذا الوطن بأن يتمسكوا بما هم عليه ولا يعطوا الفرصة لأي مندس بأن يشعل الفتن داخل هذا البلد فمهمتنا جميعاً أن نحمي بلدنا من أي عدو يحاول المساس بها أو يحاول تمزيق وحدتها.

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s