تبني مصر لمشروع قومي هو الحل الوحيد لإحتواء شبابنا

تبني مصر لمشروع قومي هو الحل الوحيد لإحتواء شبابنا

بقلم د. إيمان بيبرس-الخبيرة الدولية في قضايا النوع والتنمية

لو كنت شاهدت فيلم سينمائي أو مسلسل درامي يتنبأ بالأحداث والإنجازات التي ستحدث عندما يثور شباب مصر، لم أكن لأصدق وكنت سأتهم المؤلف بأن خياله واسع أو أن أماله لن تتحقق بهذه الطريقة، خصوصاً أن الأعوام السابقة شهدت الكثير من المظاهرات والإعتصامات التي نظمتها فئات مختلفة من المجتمع لأسباب مختلفة وغالباً ما كانت تنتهي في غضون أيام، وأحياناً أخرى كانت تستمر لشهور وتنتهي أيضاً إما بالعنف أو بإستجابة المطالب.

أما ثورة شباب 25 يناير فاقت كل التوقعات وحطمت كل الأفاق التي يمكن أن يصل إليها خيال أى مبدع أو مؤلف أو حتى محلل سياسي أو مثقف، فلم أكن أتخيل شباب هذا الجيل الذي أعمل معه بشكل مباشر وأتواجد في أوساطهم بأن يقوم بهذه الثورة فدائماً ما كانت حالة اليأس والإحباط متمكنة منهم، ونظرتهم كانت تشاؤمية لأقصى حد وحسرتهم بلا حدود، وكانت الأجيال الكبيرة تتهمهم باللامبالاة والسلبية وعدم الإكتراث وإنعزالهم عن وطنهم بالتكنولوجيا الحديثة التي جعلت حياتهم الإجتماعية منحصرة على صفحات المواقع الإلكترونية ومواقع الدردشة، لم نكن نتخيل أنهم يبنون حياتهم ومستقبلهم على الإنترنت.

كم نادينا بأن الشباب يجب أن يشاركوا في الحياة الاجتماعية والسياسية وأن يكون لهم دور فاعل وأن يتطوعوا في الأعمال التنموية والخيرية، لم نتصور بأن هؤلاء الشباب سيحققوا الإنجازات والمكاسب التي نادينا بها لسنوات طويلة في عشرة أيام فقط، بل وستظهر أخلاقيات تربينا نحن عليها وكنا ننادي أنها يجب أن تعود ويتحلى بها هؤلاء الشباب، وفوجئنا جميعاً بوجودها لديهم عندما هاجماتنا حملات شرسة من مجموعة من البلطجية وأرباب السوابق، ظلوا ساهرين يحرسون العقارات والشوارع والبنوك ضد أى خطر وينظمون المرور، فنحن لم نحقق مكاسب فقط بل اكتشفنا أيضاً أن الجيش المصري ليس فقط 4500 ألف مقاتل ومليون جندى احتياط بل تأكدنا بأن أرض مصر يحميها 85 مليون مصري رجالها ونسائها شبابها وفتياتها أولادها وبناتها.

هذا التوحد بين الشباب والشعور بالإنتماء لم يكن أول مرة بل ظهرت بذوره منذ سنوات عندما كان يلتف حول علم مصر في مبارايات كرة القدم، وكنا ننادى بإستثمار هذه المشاعر، فها نحن الأن نجني ثمار هذه البذور التي أظهرت مدى صلابتها وقوتها، من خلال المطالب المشروعة التي نادوا بها والتي أؤيدهم فيها بالكامل فلا أدعي أنني كان لي دور معهم ولكنني أساندهم قلباً وقالباً، وأرى أن الحل الذي سيجمع هؤلاء الشباب الذين فجروا ثورة التغيير هو إلتفافهم حول مشروع قومي يضمهم، تتبناه الحكومة الإنتقالية التي طالبوا بتشكيلها ولكن يتم ذلك بعد تحقيق كافة مطالبهم والتي من أبرزها إجراء التعديلات الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء العمل بقانون الطوارئ وإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، وحل مجلسي الشعب والشورى، والقضاء على الفساد ومحاسبة المتورطين وتحسين الأوضاع الإقتصادية، كما أضم صوتي لكل من نادي بمحاسبة المسئول عن قرار إطلاق رصاص حى على شبابنا العزل من المتظاهرين في المظاهرات السلمية.

 

وأؤكد على أن الحكومة الإنتقالية يجب أن تضم وزراء شباب لإستيعاب هذه المرحلة التاريخية في حياة مصر والمصريين، ولكي يستطيعوا وضع أفكار وتنفيذ مبادرات بفكر شبابي، وبالتالي فإن تبني هؤلاء الوزراء الشباب لمشروع قومي هو الحل الأمثل الذي سيجمع ويوحد الشباب حوله، وما أرشدني إلى هذا الإقتراح هو اطلاعي مؤخراً على دراسة هامة أجراها مجلس التنافسية الذي يدرس ويراقب الآليات والكيفية التي يمكن لمصر من خلالها أن تكون قادرة على التنافس مع الدول سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، وقدم هذه الدراسة حلمي أبو العيش رئيس مجلس إدارة مركز تحديث الصناعة، وكانت من أهم نتائجها أن مصر خرجت من إطار التنافس العالمي بالرغم من أنها لديها الإمكانية والقدرة على التنافس إذا تم إقامة بعض المشاريع والمبادرات السريعة، وأضاف أيضاً أن ذلك ليس خيار أمام مصر ولكنه ضرورة، لأن مصر في الآونة الأخيرة:

  • فقدت ريادتها  السياسية والإقتصادية.
  • سوف تواجه مشاكل تتعلق بالمياه ومصادر الطاقة وتوفير الطعام خاصة مع استمرار الزيادة السكانية وانهيار التعليم.

 

وعرضت الدراسة أكثر من مبادرة ولكن في الحقيقة لفت انتباهي إحدى هذه المبادرات والتي أرى أنها أكثرهم أهمية وضرورية للغاية، ومن الممكن أن نتبناها لتكون مشروعنا القومي الجديد، وهي مبادرة لبناء سد عالي جديد، ولكن يجب أن يكون هذا السد ذات مصادر طاقة مستدامة (أى يعمل بالطاقة الخضراء) وأكثر كفاءة وله القدرة على خلق طاقة لا تقتصر فقط على توفير الطاقة لمصر وصعيدها ولكن تصديرها أيضاً للدول المجاورة.

 

ولذلك أرى أنه قد حانت الفرصة الأن لتبني مثل هذا المشروع فهو غاية في الأهمية وضروري وتنبع أهمية هذا المشروع من أن:

1-   وجود مشروع قومي متمثل في بناء سد عالي جديد سيؤدى إلى توحيد شباب الأمة حول هدف كبير له آثار تاريخية وعاطفية لمصر وللمصريين.

2-   في حالة تبني هذه المبادرة ستتيح فرص عمل كثيرة أمام الشباب وخاصة في الصعيد وبالتالي ستساهم في حل مشكلة البطالة، وذلك بدلاً من أن ينضم هؤلاء الشباب للجماعات الإرهابية أو أن يقرر الهجرة عبر مراكب وسفن تعرضه للموت في البحار.

3-   كما أن وجود مصدر طاقة جديدة ومتجددة وقوية سوف يشجع المستثمرين على إنشاء المصانع في صعيد مصر، وبالتالي سوف يقوم أيضاً بتشغيل الكثير من الأيدي العاملة.

4-   كما يجب أن نعترف بأن ما يحدث في أفريقيا من تقسيم السودان يشكل خطر على حصة مصر من منسوب المياه، لذلك لا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال.

5-    مصادر الطاقة في القرن ال21 تقدمت للغاية وأصبحت هناك وسائل جديدة منخفضة التكاليف وذات منتج سريع وقوي.

6-   مصر تحتاج أن تستعيد ريادتها الإقتصادية مرة أخرى، فمصادر الطاقة الخضراء (الصديقة للبيئة) تعتبر من أفضل المبادرات الجديدة التي نستطيع من خلالها أن نسترجع مكانتنا في المنطقة، وأن تكون لدينا القدرة على المنافسة.

 

وفي النهاية فإنني أناشد لمن سيقود المسئولية في الحكومة الجديدة التي سيقوم بتشكيلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة رجال مصر الشرفاء بأن بتبني هذا المشروع وأن يأخذ خطوات حقيقية وفعلية لتنفيذه، فالشباب لم ينتظروا أن يقوم أحد بمنحهم الفرصة لإثبات أنفسهم وبناء مستقبلهم بل رسموا طريقهم بأيديهم وضحوا بدمائهم من أجل أن تتغير مصر،  فالشباب هم الثروة الحقيقية لمصر، وأثبتت لنا الأيام أننا نمتلك شباب متعلم مثقف واعي بمطالبه وما علينا الأن هو أن نتيح الفرصة كاملة وأن نساعدهم على المضى قدماً في طريقهم لكي نرى مصر تعود لمكانتها السابقة في كل المجالات.

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s