عواد باع أرضه: جزيرة الذهب ومافيا الأراضي

عواد باع أرضه: جزيرة الذهب ومافيا الأراضي

بقلم د. إيمان بيبرس- الخبيرة الدولية في قضايا النوع والتنمية

 

عواد باع أرضه يا ولاد شوفوا طوله وعرضه – فالأرض في عرف العرب والمصريين هي العرض- فهل نفرط في عرضنا؟ كما أن التعريف القانوني لكلمة دولة تحتوي على ثلاثة عناصر أساسية هي الأرض والشعب والسلطة.

 

إذاً فالأرض عنصر هام وأساسي وللأسف في ظل الإنفتاح المغولي وهجوم الدولارات البترولية إلى مصر والنزوح من وإلى دول الخليج ومن المدن إلى الريف خسرت مصر الريف وخسرت أيضاً المدن وحدث تدهور عام في أسلوب حياتنا وعلاقتنا وظهرت أخلاق وسلوكيات غريبة على مجتمعنا، وتزامن كل ذلك مع بيع الأراضي وتبويرها، ومن أهم مساوئ ونتائج كل ما ذكرته هو ظهور “مافيا الأراضي” التي لم تكتفي بالإستيلاء على أراضي المهاجرين أو الأراضي التي أصبحت في طي النسيان بل تخطت كل ذلك وبدأت في الهجوم العنيف على أراضي الدولة أي أراضي المصريين لتحقق المنفعة الخاصة وليحرم الإنسان المصري البسيط من أقل حق من حقوقه وهو أن يكون له مسكن أمن وسليم ومحترم.

 

لقد اخترت أن تكون المقدمة صادمة لأن ماحدث ويحدث لأراضي الدولة هو في الحقيقة كارثة بمعنى الكلمة لأن هذه الأراضي ملك للشعب بأكمله، ومافيا الأراضي سطت وسيطرت، ولكن يبقى بعض الأمل حيث تبقى بعض الأراضي التي يحق لنا أن نحميها.

 

وجزيرة الذهب هي إحدى هذه المناطق المعرضة لخطر داهم سواء كان ذلك من مافيا الأراضي وسطوتهم أو من العشوائيات التي تنمو في غياب التخطيط الإسكاني وفي غياب أيضاً سياسة واضحة للحفاظ على أراضي الدولة من أي إغتصاب سواء من قبل الغني أو الفقير، حيث أن السياسة الإسكانية “العمياء” والتي لا تهتم بإحتياجات محدودي الدخل والفقراء يدفعهم هم أيضاً لإغتصاب الأراضي ولكن بدافع الحاجة وليس الجشع.

 

وجزيرة الذهب هي منطقة تقع بين محافظتي القاهرة والجيزة وتتبع إدارياً محافظة الجيزة، تبلغ مساحتها 650 فداناً، تمتلك وزارة الزراعة 90 فداناً منهم حيث تقيم عليها صوبات زراعية كما يملك الأهالي ما يقرب من 150-180 فداناً بينما تمتلك الدولة النسبة المتبقية من أرض جزيرة الذهب، ويحيا بهذه الجزيرة أكثر من 11 ألف مواطن مصري ولكنهم على هامش الحياة حيث يعاني هؤلاء المواطنين من غياب كامل في المرافق والخدمات فالجزيرة لا يوجد بها نقطة شرطة واحدة ولا وحدة صحية ولا مدرسة جيدة حيث تبلغ نسبة الأمية في الجزيرة 90% وأيضاً لا يصل لأهالي هذه الجزيرة مياه شرب على الرغم من أنهم يحيون في وسط نهر النيل وهذا تسبب في أن ترتفع نسبة الإصابة بمرض الفشل الكلوي بالجزيرة لتصل إلى 80%، هذا بالإضافة إلى إنقطاع الكهرباء الذي يتكرر عدة مرات خلال اليوم الواحد.

 

وبالنسبة لوسائل النقل فإن هذه الجزيرة تحيا في عزلة عن المجتمع المصري بسبب عدم توافر وسائل مواصلات بها حيث لا يوجد بها كوبري أو نفق يمكن من الوصول إليها بل إن وسيلة المواصلات الوحيدة فيها هي المعدية وهي وسيلة متواضعة ولا تتناسب مع حجم السكان القاطنين في هذه المنطقة كما أنها تعرض حياتهم وحياة أبنائهم للخطر، فقد تسببت هذه الوسيلة البدائية في موت العديد من أبناء جزيرة الذهب.

 

وما زاد من هم هؤلاء الأهالي هو طمع المستثمرين في هذه الجزيرة مما جعلهم يمارسون بعض أعمال الإرهاب ضد أهالي هذه الجزيرة من فترة لأخرى حتى يغتصبون أرضهم وما  زاد الأمر سوءاً في الفترة الأخيرة أنباء المشروع الجديد الذي طرحته الحكومة المصرية والذي بمقتضاه سوف يتم بيع نسبة من أراضي جزيرة الذهب للمستثمرين حتى يقام عليها مجموعة من القرى السياحية والخدمات الترفيهية، حيث تنوي الحكومة المصرية بيع ما يقرب من 165 فداناً لإقامة هذه المشروعات على أرض جزيرة الذهب.

 

وذلك على الرغم من أن  جزيرة الذهب تعتبر من المحميات الطبيعية التي يحظر إقامة مباني أو منشآت عليها وذلك طبقاً لقانون المحميات الطبيعية رقم 102 لسنة 1983 إلا بتصريح من الجهة الإدارية المختصة ووفقاً للشروط والقواعد والإجراءات التي تصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء.

 

كما أن الجزيرة تم تشويهها بسبب العشوائيات والمنازل البدائية التي بنيت على أرضها، إلا أننا في نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر حق هؤلاء المواطنين الذين يحيون على هذه الجزيرة ويشتغلون بالزراعة وتربية الماشية فيها فهم لا يعرفون مكان أخر لهم فهي بالنسبة إليهم المأوى الذي نشأوا فيه وفي غياب سياسة إسكانية وتخطيط وسيلتهم الوحيدة هي أن يعتمدوا على أنفسهم في بناء منازل بجانب مزارعهم، فهل ستوفر لهم الدولة أماكن بديلة وفرص عمل أخرى؟؟ أم سوف يتم إنتزاع ملكيتهم للأرض لأنها أرض الدولة ولن يعوضوا عن ذلك بأماكن للسكن وفرص للعمل بديلة؟ ويجدوا أنفسهم بلا مسكن أو عمل.

 

ولأول وهلة قد تجد أن الموضوع لا يحتاج إلى كل هذا الخوف والذعر الذي اجتاح الأهالي بمجرد سماعهم عن هذا المشروع خاصة وأن الدولة تملك حوالي 400 فداناً من أراضي جزيرة الذهب وهي تنوي بيع 165 فداناً فقط ولكن بنظرة متعمقة قليلاً سوف نجد أن هناك مشكلة حقيقية تحيط بأهالي هذه الجزيرة، فأرض جزيرة الذهب من أكثر الأراضي المصرية خصوبة ويقوم أهلها بزراعة الخضروات بكافة أنواعها منذ عشرات السنوات فهي تنتج ما يقرب من 60% من إحتياجات محافظة الجيزة من الخضروات هذا بالإضافة إلى خمسة أطنان من الألبان يومياً وتربية الماشية فهذه الجزيرة جزيرة منتجة وليست مستهلكة، وأمام هذه الحقيقة نجد أنفسنا أمام أمر أخر وهو هل ستؤثر هذه المشروعات السياحية على خصوبة الأراضي الزراعية المحيطة بها حيث أنه من المعروف أن هناك بعض من نباتات الزينة والتي يتم زراعتها في القرى السياحية تؤثر على خصوبة الأراضي الزراعية وقد تؤدي إلى بوران هذه الأرض الخصبة، فكيف يتم البناء على أرض زراعية في الوقت الذي نستصلح فيه الأراضي الصحراوية لزراعتها أليس من الأولى أن يتم الحفاظ على الأراضي الزراعية الخصبة التي وهبنا الله إياها.

 

 

والسؤال الأهم وهو خاص بقضية تفرض نفسها على الساحة في الأونة الأخيرة هي قضية إغتصاب أراضي الدولة، فهل سوف تتوافر الرقابة على المستثمر حتى لا يقوم بإغتصاب جزء أكبر من أرض جزيرة الذهب لتوسيع مشروعه كما فعل العديد من المستثمرين؟ أم سوف يترك ولا تتابع الأجهزة المعنية إلتزامه ببنود العقد من عدمه ونعود بعد عشرات السنوات لنكتشف أنه سرق أرض الدولة كما حدث في العديد من القضايا المشابهة.

 

فأنا لست ضد الإستثمار ولكني ضد بيع أراضي الدولة سواء كان للمستثمرين أو نقل ملكيتها بوضع اليد للأفرد فهذه قضية خطيرة، وهو ما أشار له قانون رقم 198 لعام 2006 والذي يقنن من الأوضاع الخاصة بواضعي اليد على أراضي الدولة.

 

وهذا ما جعل الحكومة المصرية تتنبه لخطورة ما هو قادم وتطرح فكرة حق الإنتفاع في بيع أراضي الدولة فأنا أرى أن هذا حل أكثر من جيد ويحفظ حق الدولة في الحفاظ على أرضها وحماية مواردها من التخريب والسلب والنهب ، ولكن لابد أن نضع في إعتبارنا طبيعة هذه الأراضي وقيمتها عند بيعها، وأيضاً لابد من مراعاة أبناء الوطن الذين ينتفعون بهذه الأرض قبل بيعها وضرورة توفير أماكن أو أراضي بديلة ينتفعون بها ولكن دون الحق في نقل ملكيتها أو توارثها.

 

فلابد من الإسراع في وضع تشريعات تعمل على الحفاظ على مستقبل أراضى الدولة، وفي نفس الوقت تحقق التنمية فنحن نريد تشريعات تعمل على حفظ حقوق الدولة والمجتمع وكذلك حقوق المستثمرين الجادين الذين يرغبون في استثمار يفيد الدولة ورجاء أخر لكل شخص يساهم في إغتصاب أراضينا أو تبويرها، يعلم أن الأرض هي العرض وهي ملاذنا وعنصر من عناصر دولتنا فأحبوا أرض مصر كما تحبون مصر لأن ليس لكم أو لنا مكان أخر.

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s